فيلم «نوار عشية» في عرضه ماقبل الأول: سينما الهامش بين الحلبة والبحر…

في عرضه ماقبل الأول لفيلم «نوار عشية» للمخرجة خديجة لمكشر، الذي احتضنته قاعة الكوليزي مساء الجمعة 2 جانفي 2026. بدا الفيلم كعمل ينتمي بوضوح إلى سينما الهامش، حيث تُصنع الشخصيات من صمتها أكثر مما تُصنع من حواراتها.
لا يقدّم الفيلم مجرد حكاية اجتماعية عن الهجرة أو الرياضة. بل يطرح سؤالًا وجوديًا حول جدوى الحلم في فضاءات مغلقة على اليأس.
العرض، الذي حضره عدد من صنّاع السينما التونسية ونقاد وإعلاميون من مختلف المنصّات. كشف عن عمل يراهن على البساطة البصرية والصدق الإنساني.
أحداث فيلم نوار عشية
تدور أحداث الفيلم في “حيّ هلال”، وهو أحد أكثر المناطق المهمّشة في أحواز العاصمة تونس. حيث يدير “دجو”، مدرّب ملاكمة أنهكه المرض، قاعة قديمة تتحوّل إلى آخر معاقل الأمل.
من زاوية أخرى، ظهور يحيى، وهو الشاب المنعزل، لا يشكّل فقط فرصة رياضية. بل احتمال خلاص مؤجّل لشخصيتين عالقتين بين الفشل والرغبة في النجاة.
قوة الفيلم تكمن في هذا التوتر الدائم بين مسارين: الحلبة بما تحمله من انضباط وجسد مقاوِم، والبحر بما يرمز إليه من هروب ومجهول. الملاكمة هنا ليست رياضة، بقدر ما هي استعارة عن صراع يومي ضد واقع اجتماعي خانق.
فيما تتحوّل الهجرة غير النظامية إلى حلم جماعي يتجاوز الفرد ليصير قدرًا مشتركًا.
الٱداء
تمثيليا، يقدّم الممثل بحري الرحالي أداءً متزنًا ومؤثرًا في دور دجو. بينما ينجح إلياس القادري في تجسيد هشاشة يحيى الداخلية دون افتعال، معتمدًا على لغة الجسد أكثر من الخطاب المباشر.
أما الشخصيات الثانوية، ورغم محدودية حضورها، فإنها تساهم في رسم مناخ عام مشبع بالانتظار والتردّد.
إخراجيًا، تختار خديجة لمكشّر الابتعاد عن الإيقاع المتسارع، مفضّلة بناء مشاهدها على التراكم البطيء والفراغات الدلالية. وهو خيار قد لا يرضي كل الأذواق، لكنه يخدم منطق الفيلم ورسالته. غير أن هذا التوجّه يجعل بعض اللحظات أقرب إلى التوضيح المباشر، ما يقلّص أحيانًا مساحة التأويل.
«نوار عشية» فيلم عن جيل يرى في الرحيل خلاصًا، وفي البقاء مخاطرة. وهو بهذا المعنى عمل يلتقط روح زمن تونسي راهن، ويضع السينما في موقع الشاهد لا الواعظ. فيلم لا يَعِد بالإجابات، لكنه يصرّ على طرح الأسئلة.